محمد متولي الشعراوي

2790

تفسير الشعراوى

( أَنَّى لَكِ هذا ) أجابت : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( من الآية 37 سورة آل عمران ) لقد نطقت مريم البتول من قبل : « إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق بالولد ، ولكن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب . ومن العجيب أنها في هذا القول نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره ؛ ولذلك يقول الحق : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) ( سورة آل عمران ) إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه ، وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السّلام إنما جاءت ب « كن » وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء ، وعندما قالت لسيدنا زكريا : « إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » تنبه ودخل من هذا الباب ، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر ، وأنه بلغ من الكبر عتيا ، ومفهوم لنا معنى قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا ؛ أي أنه لم يعد يملك القدرة على الإنجاب . وهذه القضية تعطينا سبقا قرآنيا لكثير من قضايا العلم : قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ( من الآية 4 سورة مريم ) هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا . ويثبت العلم الحديث أن العظام هي آخر وعاء لتغذية الإنسان ، فإن امتنع الإنسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذيه . وإن امتنع الماء عن الإنسان وهو المكوّن لتسعين في المائة من وزنه يمتص الإنسان الماء من خلايا الجسم والعضلات واللحم . ولذلك يقال في المثل